فخر الدين الرازي
381
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة السادسة : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ يحتمل أن يكون جوابا من اللّه تعالى لهم ، إذ قالوا : مَتى نَصْرُ اللَّهِ فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : مَتى نَصْرُ اللَّهِ ثم قال اللّه عند ذلك أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ويحتمل أن يكون ذلك قولا لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : مَتى نَصْرُ اللَّهِ رجعوا / إلى أنفسهم فعلموا أن اللّه لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك . فإن قيل : قوله : أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاما في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا لأن الموت قريب . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 215 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طلب العاجل ، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ البقرة : 243 ] لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقويا للآخر ومؤكدا له . الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسة قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل اللّه وهو أحسنها . وروى الكلبي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : للنحويين في ( ما ذا ) قولان أحدهما : أن يجعل ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عما ذا تسأل ؟ بإثبات الألف في ( ما ) فلو لا أن ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد لقالوا : عما ذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] وقوله : فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [ النازعات : 43 ] فلما لم يحذفوا الألف من آخر ( ما ) علمت أنه مع